أحدث المقالات
الحاكم بأمر الحبندف ثلج ودفءالرقص على ندفترجمة قصيدة ( سعوديات )ترجمة قصيدة ( سعوديات )مهرجان الباحة للقصةامرأة تنتصرالمسئولية الإجتماعيةق 19 فتاة تمسك هاتف ذكي

خالي د مفرح

 

قصة قصيرة

من شرفة بيتنا التي تنبثق من مجلس الرجال ذو الأثاث الأحمر والمطلة على طريق القرية العام والذي رصف مؤخرا ،أرى كل صباح خالي د. مفرح . متجها الينا، ، يحمل المنحدر خطواته مارا بأشجار الرمان، التي اعتاد ان يمرر يده عـلى ثمارها، فأرى ثمارها القرمزية تحي عودته كما لـو انهن حبيبات افتقدن  لمسات حبيبهن الحانية، وعندما يتجاوز بوابة سور بيتنا، اركض إلى الداخل لكي أخبر أمي بقدوم أخيها الصغير الذي ينحني مقبلا قدمها، فترفعه بينما تنزلق دمعة من عينيها .

في تلك اللحظات تدنو مني تلك الظهيرة التي لفها الشتاء ،ولازالت عالقة بباب بيتنا ، غادر خالي د. مفرح قريتنا مرتديا  ثوبه ذو اللون البيج ،ودعنا بسرعة ، وهو يعانق أمي وأمه اقسم انه لن يعود إلى قـرية اناس بفكر آسن، وها هو يعود إليها قبل شهرين، ترى هل نـسي خالي د. مفرح الرامي قـسمـه؟

قبل سنوات غادر خالي د. مفرح القرية. وقاده تفوقه الى الـرياض، رتب بصعوبة أحلامه بين عنجهية صباحاتها المملة، ولم يتفاجأ عندما اكتشف ما وراء نقابها. ولكن بقي بحر جده مخبأ بين أمنياته .

كان خالي د. مفرح اول من يذهب الى المدرسة وآخر من يخرج منها. اوقف حصص منهجه لمدة اسبوع  ليعلم الطلاب علامات الترقيم، وكم كان مستاء وهو يحكي لي ان الطلاب يكتبون بـدون علامات ترقيم ، كان وجهه محمرا، والكلمات تخرج من فمه ممتلئة بمرارة وهو يردد "مصيبة أن يكون طالب بالصف الأول الثانوي لا يهتم بعلامات الترقيم" .

لقد تركوا من يسرق أرغفة بسطاء الوطن ، وامسكوا بخالي د. مفرح ،  نعم مؤامرة ضد صدقه. هو كان يساعد نجلاء، ولكـنه لم يـكتب لها رسالتها الماجستير ، ولم ولن يفعل ذلك .

عندما كان  يصحح  اختبارات  الثانوية العامة حاولوا معه ان يزيد درجة لطالب هو ولد احد اقاربه من أعيان القرية، ولكنه رفض وبشدة ، واتى ترتيب الطالب الرابع على مستوى المنطقة ،وغضب عليه  الجميع ، ولكنه بقي ثابتا كذاك الجبل الذي يحد القرية من الشرق .

وها هو يعود فجأة ،ايقظ خبر عودته  حقد جارنا اللدود ذي الصوت الأجش ، فثرثر بأكاذيب تناقلتها أفواه الناس ، وانتثرت حكايات عن خالي د. مفرح  تشبه قامات أهل القرية القصيرة  ومرت بقرى مجاورة وعبرت اشجار العـرعر الكبيرة ، "مسكوه مع طالبة جامعة ".

احبها ، نعم أحب خالي د. مفـرح زميلته نجلاء  .

خالي  مفرح هو الوحيد في القرية الذي ينادي النساء سيدات ، هـو من سماني زهور، كان يبلغ من العمر عشرة اعوام  .

لم يجب  خالي مفرح  على اسئلة جدي ولا أمي حول عودته المفاجأة ،اما أنا فقد احتفظت بهاجس سكنني موجوعة بدموع صامتة رأيتها في عينيه .

يشبه خالي د. مفرح أمي كثيرا، الضحكة ذاتها التي تعبر شفتيه إلى عينيه فتغرق في حنانهما  .

اتذكر ذات يوم وانا انتظره في سيارته البيضاء، نزل من السيارة ليشتري لي شكولاتة جالكسي   من محل صغير ، امتد فضولي ليحرض  يدي لدرج السيارة ، فتحته ، فوجدت صورة لأنثى بحاجبين مقوسين بديا لي كهلالين صغيرين.

اتذكر في مساء ذلك اليوم اخبرته بفضولي الجريء، فابتسم، كنا في صالة بيتنا ، كان اعترافي له محرضا ليعترف لي بحبه لنجلاء الحجازية ، كنت اجلس امامه اترصد بفرح بهجة ارتسمت على ملامح وجهه جعلته يمضغ بهدوء قطعة شكولاتة تناولها من صحن اعتدت ان اضع فيه الشكولاتة على طاولة صالتنا البيضاوية .

مشية خالي مفرح التي يميل فيها قليلا ،جعلت أحد معارفنا  ينعته بالأعرج ، وذات يوم  كتب إلى الرجل رسالة ، جعلته يتوقف عن نعته بالأعرج .

عندما اتاه صوت جدي الآمر بان يتزوج بابنة عمه، ملأت عينيه نظرات حيرة، عقدت معه لقاءات سرية في مجلس بيتنا لإبطال قرار جدي، كان ذلك قبل ست سنوات. اقمت ثورة ضد الجميع لأجله ولكن باءت بالفشل وازعجني استسلامه لقرار جدي الجائر، فصمته جعل مراسيم زواجه تتم بسرعة، وادركت ان هناك من وشى بحكاية حبه لنجلاء  .

ذاك المساء ،انتشر نور اصفر على سجاد احمر في مزرعة جدي ، اتى النور من لمبات منضودة في اسلاك ثبتت على اعواد خشبية وعلى أسوار المزرعة ، تعالت اصوات البنادق ، رقصت الأجساد، ودقت الاقدام الأرض، وتعالى صوت شاعر بقصائد تمجد أسلاف جدي ،  كانت تلك القصائد كما لو انها خناجرا تطعن قلب خالي د. مفرح ، فتلك الأمجاد التي لا يؤمن بها ابعدته عن انثى حلم بدلالها .

في سطح بيت جدي الكبير كانت النساء يضربن الدفوف، كانت  الفتيات ينتظرن دورهن بفارغ الصبر ليرقصن على انغام اشرطة الكاسيت التي احضرتها معي، تنحيت عن زغاريدهن، لأول مرة لا اشعر بـرغبة في الرقص،  كنت أتأمل ضحكة العروسة التي تشي ببلاهتها ،تلك الليلة لم تلتمع نجوم السماء. 

منذ ثلاث  سنوات لم يزر خالي مفرح القرية  الا مرات قليلة منها يوم وفاة جدي ، كنت اذهب إليه في الإجازات، وقبل عامين عادت زوجته إلى اهلها ، اتذكر سؤالي له " وكيف تنجب منها وانت قد قررت أن تتركها"؟ .

قبل يومين اعدت أمي له الوجبة التي يحبها معرق لحم جدي فاحت رائحته الشهية في بيتنا، كانت يدها المخضبة بالحناء تمـده بقطع صغيرة من خبز الصاج الذي احتضنته منشفة بيضاء وقد  تناثر السمسم على وجه الخبز البيضاوي الأبيض .

في عيني أمي نظرات حنو لخالي د. مفرح ، لا تختلف عن نظراتها لي ولإخوتي ، عندما كان في شهوره الأولى كانت تحمله على جنبها ، وفي الثالثة من عمره وكان يرافقها  في زياراتها لقريناتها .عند زفافها رفضت ان يتربى عند خالتها واخذته معها ، كان في الثامنة من عمره عندما فقد امه.

لم تغري القرية خالي د. مفرح بالبقاء فيها ، عندما بدأت تخلع ثوبها القروي ومنديل شعرها الاحمر وترتدي ثوبا جديدا. ابتهج عندما رأى أنوار المصابيح التي سعى لتنتشر في القرية عبر برقياته الى المسئولين، وها هو ضوؤها الاصفر ينساب عبر الطرق الجديدة الواسعة مصافحا العابرين بها ولكنه لم ينساب إلى ذاته .

بعد عودته بدا  لي أن  خالي مفرح كان  أكثر طولا .

البارحة ، تهادت نجلاء حاملة حكاية حبها لخالي ، القيت عليها تحية من القلب "مرحبا الف" وانا اضغط  با بهام يدي اليمنى زر اجابة هاتفي النقال عندما ظهر اسمها ومع رقمها ، وكدت ارقص ،وسالت ضحكتها تلك التي أسرت خالي الذي أعلم بحلمه بأنثى لها ضحكة من ماء ، عندما ذكرت نجلاء  اسمه انخفض صوتها، وخيل لي ان انني سمعت نغما موسيقيا هامسا لف اسمه وهي تلفظه ، احاطت بي اسئلة كثيرة كعصافير مشاغبة، اي انثى انت يا نجلاء ؟ هل اتيت اليه ام أتى إليك؟ هل خالي عاشق وفي لك ؟ لماذا يمم قلبك نحوه ؟.

لا تعلم نجلاء أي فرح القته علي، واحتفلت بحـب خالي لها ، كنت اشعر بان هناك حكاية حب لخالي في القرية المجاورة ،ولكنه لم يخبرني بها ، لمح لي انها انتهت ، ولم يرد ان يعترف بان القيود الصلدة  والتي تكبل المشاعر وتزمجر في وجوه العشاق انهت حكايته .

تداعى لي ذلك الصباح الربيعي عندما تحدث لي خالي د. مفرح عن نجلاء ، كانت عينيه مفعمة بنظرات حنين إليها  :"ليست طويلة ، لها شعر كستنائي قـصير ، أناملها "وصمت ثانية "كأنامل عازفة بيانو رايتها في فيلم أجنبي " وهو يحدثني عنها ، اقتنصت لحظة وهو يناولني فنجان الشاي المذهب في مكتبه ،و قلت له "ترى الانثى تحب الرجل الجريء ".

ابتسم  قائلا " لا تقلقي ، خالك ذيب شاعري " .

خالي مفـرح ينحب !، يتدفق اسمه كثيرا على شفاه نساء القرية  كجدول رقراق ، كنت أرى زميلاتي عندما كنت في المدرسة الثانوية يرفعن غطاء وجوههن الأسود ، وتتدافع رؤوسهن من شبابيك حافلة المدرسة الصفراء عندما يأتي لاصطحابي من المدرسة الى البيت، كن يتجاهلن صيحات حارس المدرسة الزاجرة ذو الثياب الـرثة وهن يتأملن وقفته مرتديا نظارته الشمسية .

عندما لمس قلبي لحن عاطفة ،اخفيت حكايتي عمن حولي، ولكنه اكتشف ذلك والقى علي سؤاله بينما كنا كنت اسقي احواض الريحان التي تجاور مدخل بيتنا : من  يا زهور الرقيقة  ؟ .

توقفت عدلت نظارتي، اقترب مني كان يحمل كتاب شعر في يده وقف أمامي ,اكمل :

أحبي، ولا تخافي، هل تعلمين عبر الحب نكتشف انفسنا  .

التفت إليه مبتسمة ,بينما  كنت أحرك خاتم خنصر يدي اليسار، متسائلة " ماذا سيحدث لو سمعه جدي، لاشك أنه سيغضب منه وربما للابد، وسيذكره بـالقبيلة ، والتي  لم يكن خالي د. مفرح ابن لها في يوم من الأيام ،

ناولني الكتاب وابتعد  .

 عندما غادر بيتنا وعاد لبيت جدي ، افتقدنا  مـزحاته الصغيرة، وبعدها كان خروجه من القرية ميمما نحو فضاءات تناديه .اخبرني ان رسائل اشتياق من تلاميذه تبعته إلى هناك .

هل ضايقهم هناك بصدقه أم بأمنياته النبيلة الصادقة ؟

فجر اليوم ، وانا ابحث عن علبة دبابيس شعري الصغيرة ، هاتفني ، حياني ، واعتذر عن ازعاجي في وقت مبكر, قال  :

   تلك السيدة  حررتها من رجل قلبه مع غيرها، والصغيران ستصلهما حقوقهما علي. ولكن اعتقد انهم لا يريدان ابا حزينا ولا مهزوما لا يمنح البهجة لهما ولا لمن من حوله، صمت لثوان محاولا ان يبتلع اسى داهمه، وأكـمل :

نعم، زهور الرقيقة ، احببت نجلاء حبا من بهجة، ولكن حبها لم يعبث بمبادئي، عـدت إلى القرية  لأقرر، ولأرفض واغـادر ، البارحة صدقت واخلصت  لبياض انسان يدعى مفرح الرامي وسوف انتصر له. زهور انت ايتها الصغيرة المشاغبة من حرضني على فعل أشياء كثيرة ومنها العودة إلى حبي، فقط الزهرات  الجميلات يحرضن على الوفاء للنساء ، قالها وهو يضحك .

ضحكت.

لم استطع ان اعلق هذه المرة على كلماته التي دائما تدهشني ، سوى بكلمتين  : انت رائع . مضت ثوان بعد مكالمته لي ، غرقت بين مشاعر مختلطة ، تعالى صوت في اعماقي وأنا أقفز  إلى الأعلى بين جدران غرفتي الوردية وأنا اهتف  : انه هو خالي د. مفرح العظيم كأغنية حرية.

خرجت الى الشرفة، لاح لي خالي د. مفرح، كانت شجيرات الرمان تلاحق مشيته الهادئة بينما كفه  تلامس السماء  .

 



أضف التعليق أكتب التعليق و أنتظر موافقة الأدارة على نشره