خدعة الإيمان وهوفر

خدعة الإيمان وهوفر

 

خدعة الإيمان في المؤمن الصادق لهوفر

هو يرى أن كتابه (أزمة التغيير) أفضل أعماله، ولكن المتخصصين في علم الاجتماع والعامة أشادوا بكتابه (المؤمن الصادق) والذي صدر عام 1951م. انه إريك هوفر الفيلسوف الأخلاقي والاجتماعي الأمريكي والذي أصدر عشرة كتب، وحاز على جائزة الوسام الرئاسي للحرية عام 1983 م.

قبل أن أقرا كتاب المؤمن الصادق أعرف مفهوم الحركات الجماهيرية المتطرفة وأعلم أن قادتها يريدون السلطة والهيمنة وليس الإصلاح أو التغيير النافع لمجتمعاتهم كما يدعون، وأعلم أن أتباعهم هم الضعفاء والمهزومون، ولكن كتاب (المؤمن الصادق) والذي ترجمه إلى اللغة العربية الأديب د. غازي القصيبي، والذي أجاب على سؤال أشغله « لماذا يصبح الإرهابي إرهابيا؟ « أيضا أجاب على أسئلة عديدة كانت تشغلني، كيف تنجح هذه الحركات؟ وكيف تتطور؟ ما أوجه التشابه والاختلاف بين أتباعها؟ وما دور الكلمة في هذه الحركات؟

لأول مرة يُقدم كتاب المؤمن الصادق إلى القارئ العربي، وقد شارك مترجم الكتاب د. غازي القصيبي باطلاعه الثقافي الشاسع في توضيح حقائق من خلال الهوامش، وربط معلومات ذكرت في الكتاب بحركات الإرهاب لدينا مستشهدا بمقاطع من كتاب الإرهابي 20 للكاتب السعودي عبدالله ثابت.

عنوان الكتاب مشوق، ولكنه يخفي مفاجأة للقارئ، فالقارئ العادي يصاب بالدهشة والرعب معا عندما يدرك أن المؤمن الصادق ليس إلا قائد الحركات الجماهيرية والذي يظهر نفسه للأتباع بهذه الصورة، أما القارئ المثقف فيسعد بهذا العنوان الذي يسلط الضوء منذ البداية على حقيقة لابد أن تعيها عامة الشعوب التي تحمل طموحات كبيرة وتحلم بالتغيير، فالإيمان هو أساس الحركات الجماهيرية، وهو الرداء الذي ترتديه سواء كانت حركات دينية أو قومية أو اجتماعية أو سياسية، الإيمان بمذهب أو قضية أو فكرة أو إنسان، وهذا الإيمان المطلق والأعمى يخلق كائناً دموياً يبيد من يختلفون معه في هذا الإيمان .

اشتمل الكتاب أربعة أقسام، وثمانية عشر فصلا، تناولت الحركات الجماهيرية، وجاذبيتها، وأتباعها وقوانينها، وأنظمتها، وفشلها، ونجاحها، ودور رجال الكلمة، وختمها بالحركات الجماهيرية النافعة والضارة. وقد استشهد الكاتب بحركات وثورات جماهيرية مر بها العالم منها على سبيل المثال النازية في ألمانيا، والبلشفية في روسيا، والثورات في الصين، وتردد بين سطور الكتاب أسماء هتلر وموسوليني ولينين وآخرون غير معروفين سلط المترجم الضوء عليهم في الهوامش أمثال لاسال وبيرك.

عرّف هـوفر أتباع الحركات الجماهيرية بأنهم أشخاص محبطون، لا يريدون أن يتحملوا مسئولية أنفسهم، فيلجئون إلى الآخرين، والآخرون هم قائد الحركة والذي يمثل له المؤمن الصادق . كما أظهر أن هناك حركات يقودها أغنياء، وحركات يقودها فقراء، وأوضح الفارق بين المحافظين والراديكاليين في مجال الحركات الجماهيرية والتشابه بين أتباع المؤمن الصادق المتذمرون ومنهم أنصاف المبدعون من الأدباء والمفكرون والعلماء الذين لم يصلوا إلى مستوى الإبداع.

وقد صنف هوفر أتباع الحركات الجماهيرية المتطرفة كالتالي:

الفقراء - العاجزون عن التأقلم - المنبوذون - الأقليات - المراهقون - شديدو الطموح - الواقعون تحت تأثير رذيلة - العاجزون جسديا أو عقليا - المفرطون في الأنانية - الملولون - مرتكبو المعاصي وقد أثبتت الحركات الجماهيرية المتطرفة المعاصرة صدق تصنيف هوفر.

يسلط هوفر الضوء على سمة الأنانية في قادة الحركات الجماهيرية « أن أشد المتطرفين عنفا كثيرا ما يكونون أشخاصا أنانيين أجبروا، بسبب عيب شخصي أو ظروف خارجة، على فقدان الثقة في أنفسهم «.

افرد هـوفر الفصل الخامس عشر لرجال الكلمة والذي لا يظهرون في السطح عادة ووصفهم بإنصاف المبدعون الذين لم يحققوا ذاتهم. واستشهد بلينين الذي كان سيد الكلمة الخطابية ورجل من رجال العمل، فالمتطرف يعود إلى الكلمة، ويتدثر بها ويستخدمها كسلاح يؤثر في الجماهير. وبين أن رجال الكلمة في الحركات الجماهيرية لا يعني أنهم أدباء فقد يكونون رجال الكلمة رجال دين، أو فنانين أو أساتذة أو طلابا.

ولخص علاقة رجال الكلمة بالحركات الجماهيرية والأنظمة باستشهاد بلوثر الذي كان في بداية تمرده على الكنيسة يتحدث بحرارة عن الفقراء البسطاء المساكين وعندما احتضنه الأمراء الألمان أعلن» أن الله يفضل أن تكون هناك حكومة مهما كانت شريرة على الفوضى التي تتيح للرعاع الإخلال بالأمن مهما كانت ظلاماتهم مشروعة «.

وأنا أنهي الكتاب تجلت لي حقيقة واضحة كلما كان الإنسان يحمل هويته الفردية الناجحة فإن الحركات لا تقترب منه «فالحركات المتطرفة لا تقترب من الناجحين «حيث يعني غياب الفردية المتميزة ترك العقل مفتوحا أمام التأثيرات القادمة من الخارج»

هذا ما كتبه إريك هوفر القائل «الشخص الذي يفكر بأن العالم دائما يخدعه هو على حق، لأنه يفتقد الشعور الجميل بالثقة في شخص ما أو شيء ما». وهذا ما ترجمه لنا بعمق وسلاسة معالي الأديب د. غازي القصيبي ويستحق أن يقرأه الجميع في وطني..

مايو 2014م.

** ** **

التعليقات

أترك تعليق