أحدث المقالات
الحاكم بأمر الحبندف ثلج ودفءالرقص على ندفترجمة قصيدة ( سعوديات )ترجمة قصيدة ( سعوديات )مهرجان الباحة للقصةامرأة تنتصرالمسئولية الإجتماعيةق 19 فتاة تمسك هاتف ذكي

عطرة الأخرى

 

اهتزت أحياء المدينة العريقة ، ورددت أشجارها العتيقة كلمات مبهمة. ما فعلته عطره أيقظ  حارس بوابة المدينة النحيل من سباته، وانبت ألف سؤال على شفاه نساء المدينة

  أتت عطرة هذه المدينة رغماً عنها، عندما وطأتها أقدامها سمعت وقع خطوات تأتي من بعيد، وأصوات ذكور مختلطة، وعبارة (استعد استرح ) . كان صوت شايع أحد تلك الأصوات.

  يزعج صوت شايع عطره، ولكنه لم يزعج يوماً أبيها. صوت أبيها الأجش يدفعها إليه

:  "رتبة يا بنتي ، وولد عمتك" . كم تكره عطره تلك العمة وابنها، بل تكرههم جميعاً

  يقلق صوت شخيره منامها، فتصحو من جواره ، تتداعى عبارته في ذاكرتها " قوميني عندي صفة " .

ثرثرت نساء المدينة ذوات الملامح الشاحبة عما فعلته عطره، ولكن خاتمة التزمت الصمت، أذهلها ما حدث، مرات عديدة حاولت خاتمة أن تقتحم عوالم صمت عطره، ولكن عطره لم تسمح لها، ذات جلسة من جلسات شاي ضحى خاتمة، والتي تزدان بأنواع الفطائر الشهية، وصواني ورق العنب، سألتها خاتمة وهي تمدها بفطيرة

  - -وشبش ساكتة؟

  - -ما فيه شيء-

   -كنش حامل-

  عندما تتكرر أسئلة خاتمة الباهتة، تتمنى عطره لو تصفعها، ولكنها تعود إلى ذاتها وتطرح سؤالها المعتاد لماذا وضعها القدر بين أناس كهؤلاء؟ يتردد صدى هؤلاء حولها

تتحدث خاتمة عن حكايات غرفة نومها، فترتفع الضحكات وتتطاير التعليقات الساخنة، وتشعر عطرة بالغثيان

  ذات مساء  حضرت عطرة إحدى مناسبات خاتمة، حيث اكتظ مجلس الحريم بقريبات  خاتمة، وبأطفالهن الذين ملئوا الممر ، والفناء الخارجي بصخبهم  الذي أزعجها، وعندما ارتدت عطره عباءتها لتستعد للخروج، اقتربت خاتمة  منها حاملة في يمينها المبخر ذو المرايا البيضاوية، وفي يسارها زجاجة عطر مخلط، حاولت أن تضعه خلف أذنها وتمرره على شعرها، ابتعدت عطره عنها قائلة بنبرة أمر "  ابعدي الله  يخليك "، حملت عطره رضيعها والذي كان يطلق صرخاته بين ذراعيها، وخرجت ملاحقة بتعليقات نسوة لا تراهن إلا كائنات سخيفة. أثارت رائحة العطر ملامح أيام عطره الأولى في هذه المدينة .

  ست سنوات عاشتها عطرة معه ومع  تلك الملامح، لا تتحدث كثيراً، كان يزعجها دائماً استعارة خاتمة لكنزاتها، في نهاية الأمر أخبرتها بلطف بأنها تعشق أشيائها .

تمتدح خاتمة عطره كثيراً، وتتوقف عند لمعان شعرها .ذات صباح بينما كانت عطره تعد لخاتمة القهوة، تركت خاتمة مكانها ووقفت خلف عطره، وبدأت تلامس خصلات شعرها، التي لامست منتصف ظهرها، انتبهت عطره، ألقت خاتمة عليها سؤالها:

- -علميني وش تسوين بشعرش يوم يلمع؟

اجابتها  عطرة بابتسامة : هو كذا يا خاتمة من يوم خلقني ربي . 

تمسح خاتمة على كتف عطرة  وهي تبسمل، تتركها ،  ثم تمسح بيمينها على غرتها المبعثرة، وتمرر أصابعها الجافة على أطراف شعرها المتقصف، الذي يطل من تحت طرحتها التي تهالكت كلفة أطرافها.

في هذه المدينة تلتصق البيوت ذات ببعضها البعض ، تغلق أبوابها في الوقت ذاته، وتفتحها في الوقت ذاته، يرتدي ذكور المدينة الأحذية الجلدية ذاتها، والملابس ذاتها، تثير ملامحهم المتشابهة أسئلة واستفسارات كثيرة في مخيلة عطره، ولكنها تبقى على زجاج نافذة مجلس الرجال الكبيرة، التي رأت عطرة ملامحهم خلالها. عندما تتأمل عطرة ملامح نساء مجلس شاي ضحى خاتمة، تراهن بملامح مختلفة في بداية قدومهن إلى المدينة، وبعد فترة وجيزة تتشابه ملامحهن، حتى رائحة عطورهن تختلط ببعض، وتصبح رائحة واحدة، كانت تخاف أن يسلبنها ملامحها ..

  يزور المطر باستمرار هذه المدينة، تلامس أحاديثه السطوح المائلة ويمر بعطره، يخفف عنها وحدتها، فهو يعرفها جيداً وتعرفه فبلدتها ممتلئة أجفانها بالغيم، عندما تطرق قطراته نوافذ غرفتها راسمة  خطوطاً انسيابية براقة، تخرج مسرعة إلى الفناء الصغير، حيث أحواض  الريحان الصغيرة وورود الجوري التي زرعتها بيديها، تتنفس بعمق، تكشف عن ساقيها المبرومين، ينهمر المطر يهدهد كتفيها، ويسر لمفرق نهديها بشيء ما ، ترتعش. يغمرها المطر وتغمر غرتها جبينها، وتنساب على وجهها، تمر بها ألوان طفولتها، وتلك السنابل اليانعة بضحكاتها، تشعر ببرودة تعود إلى الداخل، تلعق قطرات المطر التي تمر  بشفتيها، يزداد تدفق المطر بغزارة، يأتي صوت شايع ادخلي، تعود إلى الداخل، تضيق أنفاسها.

  قبل مضي عامين على وجودها في هذه المدينة، كانت تحمل بين ذراعيها رضيعاً، وبعد عام كانت تحمل رضيعاً آخر، صرخت بشايع كفى، حمل تلك الصرخة إلى أمه، وحملت أمه الصرخة إلى أبيها، وانهالت عليها عبارات موجعة، أبعدتها عنهم..

جميعهن  يتكومن هناك، ويتحدثن بلغة لا تفهمها، وهي وحدها تقبض على كينونتها، وتكتب عهداً سرياً لذاتها .

  ذات صباح بينما كان شايعا يرتدي بسطاره، أخبرته بأنها تريد أن تكمل دراستها، رفض وبشدة، وألقى كلمات سخرية قاسية دفعتها إليها ..

في مساء شتوي عاد شايع إلى المنزل، لم تسمع صرير الباب عندما أغلقه خلفه ، ولم تشم رائحته المزعجة، كان كاظم الساهر ينثر شيئاً من عشق نزار لأنثاه، تغيب محبوبة نزار تظهر أنثى تشبهها، ترتدي فستاناً وردي قصير

- عطره عطره، يامره

قفزت عطرة بخوف قائلة بنبرة غاضبة : لا تقول مره 

، قالها بنبرة تعجب ازعجتها . -وش أنت اجل؟

شايع لا يعرف شيئاً عن الأنثى، لا يعرف إلا ملامح خاصة للمرأة، غرستها فيها أمه، وتلك  القبيلة الجائرة. منذ زواجها به وهي تعدل قاموس مفرداته، وإيماءته، ونبرة صوته المزعجة، عندما يمازحها ترى في عينيه أولئك الذكور الذين يشبهونه، ويلقي عليهم أوامره ، لم ترعينا شايع الجاحظتين بريق عيني عطره الساحرتين

  في يوم صيفي فتحت نافذة المجلس، رأت صغيرات يحملن حقائبهن على أكتافهن الصغيرة، سمعت تغاريد عصافير الشجرة التي تتكئ أغصانها على النافذة، وكأنها تسمعها لأول مرة، لامس تحليقها عينيها. تلك اللحظات فردت عصفورة أجنحتها، ظهيرة ذلك اليوم أتاها خبر تعيينها مراقبة في المدرسة المجاورة، نظرت إلى السماء رأت ابتسامة غيمة. اخفت كل ذلك عمن حولها، ارتبك شايع حاول أن يوقفها، وأخيراً وافق على مضض. تتصل خاتمة   بعطرة ولكنها لا ترد، وتغيب عطرة عن جلسات شاي ضحاها، فيما بعد تعلم خاتمة .

هز ما فعلته عطره خاتمة و الجارات، عطره هربت، تركت كل شيء حتى طفليها، تضاربت الأقوال مع من؟ من حرضها؟ أي رجل تسلل إليها؟ ومن أين أتى؟

في الليالي التي سبقت هروب عطره، كانت تخرج إلى الفناء تتأمل وجه القمر، وتناجي   النجمات، كانت ترى شيئاً من ملامحها فيهن، كانت تسمع صوت أنثى رخيم، يأتي من بعيد، يسأل عن كينونتها، يتسلل عبر قضبان أحاطت بها، بعد ذلك  تشعر بانتشاء وتنام بسلام .

بعد خمسة أشهر حملت خاتمة الخبر إلى نساء المدينة، عطره تزوجت رجلاً مهماً في  جده. ترددت كلمة جدة، التصقت بأغصان الأشجار العتيقة.

افزع الخبر ذكور المدينة، خافوا، أشهروا أسلحتهم، هددوا نسائهم، واسكتوا تساؤلات  كينونتهن. سرت حكايات عرجاء عن عطره، عبر أفواه نسوة مجلس خاتمة، عندما رأت خاتمة أعينهن الممتلئة بنظرات تلمز عطره ، صرخت بهن : استغفروا الله يا حريم .

تلك اللحظات كانت خاتمة تردد في أعماقها " " ماكانت تتكلم كثير، كثيراً، كان عندها شيء"

  اختفى شايع من المدينة، هناك ظهرت عطرة على شاطئ البحر، بفستان وردي قصير يدثر نطفة فرح لمعت في أحشائها، كانت قدميها الحافيتين الناعمتين تلامسان رمال الشاطئ  الناعمة ، وكانت الأشجار العتيقة تسر لحارس بوابة المدينة النحيل بحكايات بيضاء عن عطره.

 



أضف التعليق أكتب التعليق و أنتظر موافقة الأدارة على نشره