أحدث المقالات
ليلة راقصةأغنية لطفلتي بالروسيةأغنية للخُبرمخاطر ترجمة الآدابمخاطر ترجمة الآدابفضائح جائزة نوبلشكرا كيري غريسيلقائى باذاعة الرياضمعرض الكتاب بالرياضمن أوراق معرض الرياض

صوتها

 

هذا المساء كانت  تعلم  جمانة أن أمها التي دست لها كلمات حازمة في مساء فرحها قبل ثلاث سنوات، ستصرخ بها، وهي تمسك بكلتي يديها المعروقتين على رأسها،وسينحسر غطاء شعرها المشجر الشفاف، عندما تبوح لها بسرها. ولكن أم جمانة لم تفعل ما توقعت، وبدلا من أن تصرخ بها شهقت، ثم انتحبت، وهي تتهاوى على كرسي بجوارها،بعد ان قالت لها جمانة بصوت منخفض: أمي بعدني بنت!.

في بدايات مساء خريفي، كانت تودع نسائمه حوريات البحر، زفت جمانة في فستان  ابيض نسج من الدانتيل والتافتا، اظهر بثقة  رشاقتها، تبعت خطاها طرحة ثبتت تحت تاج بلوري، تناثرت خصلات من شعر جمانة الفاحم  على كتفيها العاريتين، كان يتبعها صغيرات يحملن سلال ورد جوري، يرتدين فساتين من التل  الأبيض ، بدين كأنهن قادمات من الفردوس، ضاعت رائحة زهور الفل من الاكاليل التي يضعنها على رؤوسهن الصغيرة، صاحب خطوات جمانة وهي تعبر الممر الطويل باتجاه المنصة اغنية حالمة لفت دفء موسيقاها الحضور، تلك اللحظات اُطفئت الأنوار، وبقيت اضواء الشموع البيضاء التي انتثرت على الطاولات وفي الزوايا، وبدت جمانة كأميرة فاتنة تحتفي بها نجمات المساء، حدث ذلك عندما كانت جمانة في السنة الثانية في الكلية.

كان يزعج جمانة أن أمها لم تلتصق كثيرا بهذه المدينة التي تحمل صباحاتها أمنيات فيروزية،فهي لازالت تعيش في فكر قريتها الصلد، رغم أنها عاشت هنا منذ سنوات طويلة، تقف جمانة في أخر صف من خمس بنات هي الصغرى، تزعج أمها  بعض افكارها التي خرجت عن افكار بناتها الأربع المطيعات .

في غرفتها الصغيرة التي تقع في الطابق الثاني كانت تحيا مع حكايات حب، تتأمل كثيرا ملامح العاشقة الفيكتورية التي تسكن لوحة فريث، ويأسرها تأمل حبيبها لها ، وتلك التلة التي تجاور حكايتهما ،  كل شيء حولها في البيت صامت وبلا روح، أوامر كثيرة تلجم شغب  صباها، لكنها عندما تخرج من البيت ترى عالما آخر، صخبا آخر تحاول أن تقترب منه. ..

دائما تسال ذاتها هل أحبته، وكان ذلك سبب صمتها؟ شاب طويل القامة وسيم إلى حد ما، يكبرها بأربع سنوات وجدته أمامها، اخذها إلى بيت كبير تغطي نوافذه الكبيرة  ستائر مخملية تأسرها الوانها التي تتماوج بين أحضان الأحمر القاني ..

همست لأمها وهي تخرج من القاعة " أمي زوروني " وفرت دمعة من عينيها، ربتت أمها على كتفها، وتعالت زغاريد أخواتها وقريباتها . . .

في ظهيرة يوم تناثرت قطع غيم في سمائه، ودخلت نسائمه الباردة عابرة  النافذة المفتوحة، تأملت علب الهدايا الثمينة المصطفة على تسريحتها الكبيرة، فتحت علب المجوهرات، البست خنصرها خاتماً ذو فص ياقوتي، خلعته ولبست آخر، كررت ذلك اكثر من مرة مع خواتم عديدة، بعد ذلك لبست سواراً عريضاً تأملته ثم خلعته، استيقظ شيء ماشعرت بوخزه، القت نظرة حزينة على السرير ذو المفرش السكري، والذي تتخلله خيوط فضية شكلت نقوشاً جميلة، اضطجعت على السرير، شدت اللحاف على  جسدها الغض، سحبت إحدى وسائد السرير الصغيرة وضعتها تحت خدها، وأغمضت عينيها تلك اللحظات، سقط السوار على السجادة ..

كانت عينان فسيحتان تلاحقان جمانة، قرأت حزن عينيها البراقتين، سألتها: كيف الزواج؟

ردت بتلعثم وهي تمسح بيدها اليسار على شعرها: تمام.

-الآن انضممت إلى قائمة المتزوجات.

هزت جمانة رأسها بالموافقة، وهي تتناول فنجان الشاي المذهب من يدها.

في الغرفة الواسعة وفي درج (الكوميدينو) التي تجاور رأسه تناثرت اقراص متنوعة، مساءات عديدة يقترب منها، يحاول ويحاول، يصرخ بصوت عال، يبكي على كتفيها كطفل، تبكي، تردد كلمات لتهدئته، يهزها بعنف، يضربها، تصرخ تدفعه عنها، تنهض بسرعة، تركض خارج الغرفة تشرب ماءً، تنكفئ على الكنبة، تنهمر دموعها، تلف يديها تضم ركبتيها ينحسر قميصها القصير الأسود ذو الخيوط  الحمراء الى منتصف فخذيها تشده يزداد بكاؤها، تسمع خطواته قادماً باتجاهها، تصمت دموعها يبقى أنينها، تختلس إليه النظر، ينصب ضوء نور خافت على وجهه النحيف، يقترب منها يجلس على ركبتيه، يمد يده باتجاه كتفها ثم يقبضها مرة اخرى، يعود إلى الغرفة يصلها صوت بكاؤه.

تلمست يدا ذات العينين الفسيحتين ذات يوم شعرها ادخلت يديها بين خصلاته الغجرية التي تصل إلى منتصف ظهرها، ابتعدت عنها قليلا وهمست لها بكلمات جعلتها تصمت .

عندماخرجت ادخلت جمانة يديها في شعرها، والذي صبغته مؤخرا بلون بني فاتح،  شدت خصلة استنشقت رائحة عطرها الذي تتخلله  بعمق، يثيره العطر وفي لحظة ينطفئ كل شيء، ولكن يبقى شيئا ما يشتعل .

بدأ تتتابع القنوات التي تبث حكايات تشبه حكايتها، تفكر أن تهاتف احد المختصين ولكنها تعرف ما سيقول؟ تنحي هذه الفكرة، لأنه لن يساعدها في ذلك، تنصت إلى حكايات النساء الكبيرات باهتمام، بدأت تحفظ تفاصيلها كما هي لم تعد تشكك في صدقها كما كانت تفعل،تتنازعها أفكار كثيرة، تستدعي النساء الشبقات اللواتي التقت بهن، ولكنها مختلفة عنهن  هي أنثى، معه انوثتها تئن وتظمأ،هناك بكاء خفي  يدثر شعور بحق ذاتها وأنوثتها ..

تنظر بأسى إلى قمصان نومها الشفافة الكثيرة، وهي تتأمل تفاصيل جسدها في المرآة، وخاصة عندما ترتدي ذلك القميص اللؤلؤي الذي تتلألأ فصوصه فتحرضها على حق روح أنوثتها  في الحياة ..

بعد  شهر منذ بداية الليلة الأولى بدأ حوار هامس بينها وبينه، اكد لها أن ما يحدث شيء طبيعي،وان لها دور في تجاوز ذلك التفتت إليه وتركت له نظرة مبهمة ..

تهامس من حولها حول ثبات قدها، ونهديها وكفلها، وبدأت الأمنيات تنهمر بملامح طفلة تشبهها،تسلب منها تلك الشامة التي تعتلي شفتها العليا، تمد أصابعها الصغيرة إلى فناجين قهوة صباحاتها، وتبعثر ترتيب وسائد صالة جلوسها الكبيرة، كانت لا تريد شفاههن ان تصمت، تلك اللحظات ترى صغيرة تمسك يديها الصغيرة بقوة بيدها، وتنزل معها بقدميها الصغيرة، خطوة خطوة درجات السلم الحلزوني .

استمتعت في مساء وهي تسمع أحداهن تسرد حكايتها بصوت واضح، عندما كانت عروسا في شهورها الأولى، كانت تنصت باهتمام إلى تفاصيل حكايتها كانت تنثر ابتسامة تلوح في عينيها،بعد دقائق انتثرت حكايات اخريات غابت النساء من حولها، ورأت عينان حائرة  تشبه عيناها. تلك اللحظة كان قد مضى على زواجها خمسة أشهر ..

كونت جمانة لها فلسفة عن اشياء كثيرة، ومفردات وضعت لها مفاهيم خاصة، تلك اللحظات الحميمية لابد ان تتحد روحان في البدء، ليتحد الجسدان ويتناغمان لأجل حياة مقدسة،وتمر بها موسيقى احتفاليتهما وشموع لم تنطفئ

لم يعد قلبها الحالم  يحتمل بكاء انوثتها الخافت، من ستخبر؟ أمها ارتعشت هناك حاجز بينهما، كلماتها بنبرتها الحازمة "من تخرج من البيت لاترجع لي " وأخواتها تراهن بفكر تابع للذكر، قفزت لها فكرة وهي تروي ورود الاصص التي نثرتها في الزوايا، هي وحدها ذات العينين الفسيحتين،حددت معها موعدا، جلستا في مكان  هادئ، تأملتها وهي تتحدث، جمعت كل أفكارها، كانت الدموع تقترب من عينيها، ولكن في لحظة داهمها شعور خوف فصمتت.

بعدأيام دار حوار مع أمها عن موضوع  الحمل،ردت بأنه لازال مبكراً، توقعت أن أمها ستشعر بشيء ما، ولكن لم يحدث ذلك، وتركتها بمفردها ..

تتوالى المساءات متشابهة، يأتي.. تطفئ الأنوار، يبقى ضوء الاباجورة على (الكومودينة) التي تجاورها، يتحدث يعتذر يبكي وتبكي، تحاول أن تنام ولكنها لاتستطيع. تترك الغرفة وتذهب إلى صالة الجلوس، تصطدم عينيها الدامعتان بفيلم عاطفي في  التلفاز، تغير القناة بحركة عصبية، وتعجز الصالة ان تبتلع المها .

اثار جلوسها الدائم  مع بنات اخيها اللواتي يقتربن من عمرها اسئلة صاحبة العينين الفسيحتين.

اتركي البنات

احب احاديثهن

كادت أن تبوح لها بسرها، ولكنها ترددت وهربت إلى صمتها. لم تحن الساعة بعد

دائماً معها، لا يسهر مع أحد، ليس له أصدقاء كثيرون، البيت هادئ لا يزال يتدفق إليها بهداياه، مرت ببحار بلاد كثيرة حلمت بها، وطأت قدميها بلاد كازنوافا، ارتعدت وهي تتأمل انحناءة صخرة الروشة.

بدت كطفلة تريد ان تكتشف عوالم جديدة، يحاول أن تجعلها تنسى، كانت تبحر في ذاتها وتقترب منها ويتلاشى البعد الشاسع. تتأمل أصابعه وهو يحرك السكر في كوب قهوة اعده لها،يظهر لها عيناه لازالت نظرات الحيرة فيهما منذ أيام زواجهما الأولى. كثيرا ماحاولت أن تفتح نوافذ إلى طفولته ولكنه يوصد كل ذلك، قبل ليلة فتحت حديثا معه، صمت بعد ذلك، تحدث بآمال كبيرة عن الغد. ولكن لم تتركه هذه المرة، القت عليه حقيقة ظمأها، عن انانيته عن رغبته الساكنة التي يعذبها بها، وحكت عن مشاعر الانوثة التي يجهلها ولا يريد أن يعرفها، جحظت عيناه الضيقتان، ابتلعت دموعها، بدا لها أنه لا يعرف تفاصيل دموعها. في تلك اللحظات انكشفت لها حقيقة ذاته كان يعرف أقاصي بكاء انوثتها،ولكنه أراد ان يبقيها معه على أرض أمل واهنة.

وهي تجمع فساتينها وبدلها ،وتايوراتها، وقمصان نومها، وعطوراتها، ظهرت لها  اسئلة كثيرة كيف سمحت له بخداعها طوال هذه الفترة ؟، انتصر عليها، انتابتها لحظات غضب لذاتها، وعلى ذاتها فأسرعت بإغلاق الحقيبة وهي تردد وعدا لانوثتها. وضعت حاسوبها المحمول في حقيبته الخاصة به  ، كان يبدو على قسمات وجهها أرق مساءات الأيام الماضية .

وهى تخرج من غرفتها مرت عينيها على ورودها الصغيرة، نزلت من السلم الحلزوني مسرعة، علق جزء من فستانها بفتحات السلم نزعتها بقوة وتابعت خطواتها متجهة الى أسفل السلم،عندما وصلت إلى نهاية  السلم رفعت رأسها إلى الأعلى وجدته ينظر اليها والدموع تملا عينيه، خرجت، تبعها ناداها بصوت باك لم تستمع إليه، تبعها، ركبت السيارة، فتحت زجاج السيارة، ابتسم، انتظر تلويحة يدها ولكنها لم تفعل .

هذا المساء اقتربت من أمها  ، لم تبتلع ريقها بصعوبة ، ولم تتلعثم كما اعتادت ، باحت لها بسرها، غابت نظرات اخواتها الخائفة، قبلت جبينها، همست لها وهي تجلس على ركبتيها أمامها، كانت عينيها تحاول أن تهرب من نظرات عينيها، توقعت اسئلة كثيرة ولكنها لم تسمع إلا بكاءً رددت: ثلاث سنوات يا أمي ، سمعت صوت يشبه صوت أمها يهمس كنت أعلم، تركت المكان، مشت منتصبة القامة باتجاه غرفتها الصغيرة،وهي تصعد السلم لاح لها ملامح صغيرات بسلال ورود بيضاء، وحيتها تلك العينان  الفسيحتان بابتسامة انتصار علقت بهتافات صبية الحي.

اغسطس 2013

لوحة ( العاشقان )  للفنان الانجليزي ويليام فيرث

, 1855 William Frith , The Lovers



أضف التعليق أكتب التعليق و أنتظر موافقة الأدارة على نشره