عطرة الأخرى
اهتزت أحياء المدينة العريقة ، ورددت أشجارها العتيقة كلمات مبهمة. ما فعلته عِطرة أيقظ حارس بوابة المدينة النحيل من سباته، وأنبت ألف سؤال على شفاه نساء المدينة
أتت عِطرة هذه المدينة رغماً عنها، عندما وطأتها أقدامها سمعت وقع خطوات تأتي من بعيد، وأصوات ذكور مختلطة، وكان صوت شايع أحد تلك الأصوات.
يزعج صوت شايع عِطرة، ولكنه لم يزعج يوماً أبيها. صوت أبيها الأجش يدفعها إليه
: \"رتبة يا بنتي ، وولد عمتك\" .
كم تكره عطرة تلك العمة وابنها، بل تكرههم جميعاً
يقلق صوت شخيره منامها، فتصحو من جواره ، تتداعى عبارته في ذاكرتها \" قوميني بدري " .
ثرثرت نساء المدينة ذوات الملامح الشاحبة عما فعلته عِطرة، ولكن خاتمة التزمت الصمت، أذهلها ما حدث، مرات عديدة حاولت خاتمة أن تقتحم عوالم صمت عِطرة ، ولكن عِطرة لم تسمح لها.
ذات جلسة من جلسات شاي ضحى خاتمة، والتي تزدان بأنواع الفطائر الشهية، وصواني ورق العنب، سألتها خاتمة عِطرة وهي تمدها بفطيرة
- -وشبش ساكتة؟
- -ما فيه شيء-
-كنش حامل-
عندما تتكرر أسئلة خاتمة الباهتة، تتمنى عِطرة لو تصفعها، ولكنها تعود إلى ذاتها وتطرح سؤالها المعتاد لماذا وضعها القدر بين أناس كهؤلاء؟
يتردد صدى هؤلاء حولها.
تسرد خاتمة حكايات ، فترتفع الضحكات وتتطاير التعليقات الساخنة، وتشعر عِطرة بالغثيان.
ذات مساء حضرت عِطرة إحدى مناسبات خاتمة، حيث اكتظ مجلس الحريم بقريبات خاتمة، وبأطفالهن الذين ملئوا الممر ، والفناء الخارجي بصخبهم الذي أزعجها، وعندما ارتدت عطره عباءتها لتستعد للخروج، اقتربت خاتمة منها حاملة في يمينها المبخر ذو المرايا البيضاوية، وفي يسارها زجاجة عطر مخلط،
وبدأت خاتمة ترشها بالعطر .لم تستطع عِطرة أن تخبرها بأنها لاتحب رائحة هذا العطر .
حملت عِطرة رضيعها والذي كان يطلق صرخاته بين ذراعيها، وخرجت ملاحقة بتعليقات نسوة لا تراهن إلا شخصيات سخيفة.
أثارت رائحة العطر ملامح أيام عِطرة الأولى في هذه المدينة .
ثلاث سنوات عاشتها عِطرة مع شايع . لا تتحدث كثيراً.
كان يزعج عِطرة استعارة خاتمة لكنزاتها، في نهاية الأمر أخبرتها بلطف بأنها تعشق أشيائها .
تمتدح خاتمة عِطرة كثيراً، وتتوقف عند لمعان شعرها .ذات صباح بينما كانت عطره تعد لخاتمة القهوة، تركت خاتمة مكانها ووقفت خلف عطره، سألتها :
- -علميني وش تسوين بشعرش يومه يلمع؟
اجابتها عطرة بابتسامة : هو كذا يا خاتمة من يوم خلقني ربي .
تمسح خاتمة على شعر عطرة وهي تبسمل، تتركها ، تعود عِطرة لمكانها ، تجلس ، تمسح هي بيمينها على غرتها المبعثرة .
في هذه المدينة تلتصق البيوت ببعضها البعض ، تغلق أبوابها في الوقت ذاته، وتفتحها في الوقت ذاته، يرتدي ذكور المدينة الأحذية ذاتها، والملابس ذاتها، تثير ملامحهم المتشابهة أسئلة واستفسارات كثيرة في مخيلة عِطرة، ولكنها تبقى على زجاج نافذة مجلس الرجال الكبيرة، التي رأت عِطرة ملامحهم خلالها.
عندما تتأمل عِطرة ملامح نساء مجلس شاي ضحى خاتمة، تراهن بملامح مختلفة في بداية قدومهن إلى المدينة، وبعد فترة وجيزة تتشابه ملامحهن، حتى رائحة عطورهن تختلط ببعض، وتصبح رائحة واحدة، كانت تخاف أن يسلبنها ملامحها.
يزور المطر باستمرار هذه المدينة، تلامس أحاديثه السطوح المائلة ويمر بعِطرة ، يخفف عنها وحدتها، فهو يعرفها جيداً وتعرفه فبلدتها ممتلئة أجفانها بالغيم .
عندما تطرق قطراته نوافذ غرفتها راسمة خطوطاً انسيابية براقة، تخرج عِطرة مسرعة إلى الفناء الصغير، حيث أحواض الريحان الصغيرة وورود الجوري التي زرعتها بيديها، تتنفس بعمق، تكشف عن ساقيها المبرومين، ينهمر المطر يهدهد كتفيها ، ترتعش. يغمرها المطر .
تمر بعِطرة الوان طفولتها، وتلك السنابل اليانعة بضحكاتها، تشعر ببرودة تعود إلى الداخل،، يزداد تدفق المطر بغزارة، يأتي صوت شايع “أدخلي ” ، تعود إلى الداخل، تضيق أنفاسها.
قبل مضي عامين على وجودها في هذه المدينة، كانت تحمل بين ذراعيها رضيعاً، وبعد عام كانت تحمل رضيعاً آخر، صرخت بشايع كفى، حمل شايع تلك الصرخة إلى أمه، وحملت أمه الصرخة إلى أبيها، وانهالت عليها عبارات موجعة، أبعدتها عنهم..
جميعهن يتكومن هناك، ويتحدثن بلغة لا تفهمها، وهي وحدها تقبض على كينونتها، وتكتب عهداً سرياً لذاتها .
ذات صباح بينما كان شايع يرتدي حذائه ، أخبرته عِطرة بأنها تريد أن تكمل دراستها، رفض وبشدة، وألقى كلمات سخرية قاسية ..
في مساء شتوي عاد شايع إلى المنزل، لم تسمع عِطرة صرير الباب عندما أغلقه خلفه ، ولم تشم رائحته المزعجة، كانت غارقة في مشاهدة أغنيةً عن امرأة ، ترتدي فستاناً وردي قصير
- عطره عطره، يامره
قفزت عطرة بخوف قائلة بنبرة غاضبة : لا تقول مره
، قالها بنبرة تعجب ازعجتها :وش أنت اجل؟
شايع لا يعرف شيئاً عن الأنثى .
منذ زواجها به وهي تعدل قاموس مفرداته، وإيماءته، ونبرة صوته المزعجة، عندما يمازحها ترى في عينيه أولئك الذكور الذين يشبهونه، ويلقي عليهم أوامره .
لم ترعينا شايع الجاحظتين بريق عيني عطره الساحرتين.
في يوم صيفي فتحت نافذة المجلس، رأت صغيرات يحملن حقائبهن على أكتافهن الصغيرة، سمعت تغاريد عصافير الشجرة التي تتكئ أغصانها على النافذة، وكأنها تسمعها لأول مرة، لامس تحليقها عينيها.
تلك اللحظات تأملت عصفورة عصفورة أجنحتها،
في ظهيرة ذلك اليوم أتاها خبر تعيينها مراقبة في المدرسة المجاورة، نظرت إلى السماء رأت ابتسامة غيمة. أخفت كل ذلك عمن حولها، ارتبك شايع حاول أن يوقفها، وأخيراً وافق على مضض.
تتصل خاتمة بعِطرة ولكنها لا ترد، وتغيب عِطرة عن جلسات شاي ضحاها،
فيما بعد تعلم خاتمة .
هز ما فعلته عِطرة خاتمة و الجارات، هربت عِطرة ، تركت طفليها وكل شيء ، تضاربت الأقوال:
مع من؟
من حرضها؟
في الليالي التي سبقت هروب عِطرة، كانت تخرج إلى الفناء تتأمل وجه القمر، وتناجي النجمات، كانت ترى شيئاً من ملامحها فيهن، كانت تسمع صوت أنثى رخيم، يأتي من بعيد، يسأل عن كينونتها، يتسلل عبر قضبان أحاطت بها .
بعد خمسة أشهر حملت خاتمة الخبر إلى نساء المدينة، عطره تزوجت رجلاً مهماً في جده. ترددت كلمة جدة، التصقت بأغصان الأشجار العتيقة.
افزع الخبر ذكور المدينة، خافوا، أشهروا أسلحتهم، هددوا نسائهم، واسكتوا تساؤلات كينونتهن. سرت حكايات عرجاء عن عِطرة، عبر أفواه نسوة مجلس خاتمة، ، صرخت بهن : استغفروا الله يا حريم .
اختفى شايع من المدينة،.
هناك ظهرت عِطرة على شاطئ البحر، بفستان وردي قصير ، كانت قدميها الحافيتين الناعمتين تلامسان رمال الشاطئ ، وكانت الأشجار العتيقة هنا تسر لحارس بوابة المدينة النحيل بحكايات بيضاء عن عطره.
